كتب الزميل هادي حسين شكر في موقع صدى فور برس
كفّ يد المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس عن الملف اللبناني لا يمكن اعتباره حدثاً عابراً في المسار السياسي والدبلوماسي للمنطقة. هو لحظة مفصلية تُسجَّل في خانة الانتصارات السيادية، وانتصار حقيقي للدستور اللبناني ولإرادة الشعب الذي لطالما رفض التدخلات الفوقية التي تنتهك مبدأ التعامل بين الدول على أساس الندية والاحترام المتبادل.
منذ لحظتها الأولى في المشهد اللبناني، لم تُخفِ أورتاغوس نهجها المتعالِ والمستفِز، الذي حمل في طياته تجاهلاً فاضحاً للخصوصية اللبنانية، وضرباً صارخاً لمبدأ السيادة الوطنية. كانت لهجتها، في معظم تدخلاتها وتصريحاتها، أقرب إلى الوصاية منها إلى الدبلوماسية، بل لم تتورع عن استخدام خطاب يلامس في مضامينه النفس الإسرائيلي، القائم على التهديد والتخويف لا على الحوار والشراكة.
واللافت أن مسار الاستياء من أدائها لم يقتصر على الرأي العام أو الصحافة، بل بدأ يتخذ شكلاً سياسياً منظّماً. فمنذ عدة أسابيع، وردت معلومات مؤكدة عن تململ واضح لدى أطراف سياسية لبنانية فاعلة من أسلوب تعاطي أورتاغوس، لا سيما لجهة تجاوزها للأصول الدبلوماسية، ومحاولتها فرض أجندات تتنافى مع الواقع اللبناني. هذا الاستياء تُرجم برسائل مباشرة وصلت إلى واشنطن، عبّرت فيها هذه الأطراف عن رفضها للطريقة التي كانت تُدار بها العلاقة مع لبنان، الأمر الذي يبدو أنه لقي آذاناً صاغية في الإدارة الأميركية.
انزعاج الدوائر الإسرائيلية من قرار إنهاء دور أورتاغوس، والذي برز منذ الساعات الأولى لإعلان القرار، يكشف الكثير. فالغضب الإسرائيلي لا يأتي عادة إلا حين تُمسّ أدواته أو تتعرقل مساراته. وهذا وحده كافٍ لتأكيد أن في رحيلها ما يُفرِح اللبنانيين ويُطمئنهم إلى أن ميزان العلاقات الخارجية ما زال يتوازن أحياناً لصالح الحق.
ولا يُقنعنا أحد بأنّ تغيّر المبعوث لا يغيّر شيئاً. فالفرق شاسع بين أسلوب أورتاغوس المتشنّج، وبين أداء زميلها السابق اموس هوكستين، الذي رغم الخلافات عرف كيف يدوّر الزوايا ويقارب الملفات المعقدة بعقلانية وهدوء، ما ساهم فعلياً في إتمام اتفاق الترسيم البحري، أحد أبرز إنجازات السنوات الأخيرة.
دور المبعوث الأميركي في لبنان ليس شكلياً ولا بروتوكولياً، بل أساسي ومفصلي، خاصة في ما يخص التقارير التي تُرفع إلى الإدارة الأميركية، والتوصيات التي تُعتمد لتحديد شكل ونبرة السياسة الخارجية تجاه بلدٍ مثل لبنان، العالق بين تعقيداته الداخلية وضغوط الخارج.
إنهاء دور أورتاغوس هو انتصار لأن لبنان قال – بلسان رسمي أو شعبي – "لا" لمن يتعاطى معه من علٍ. وهو انتصار لأن الدستور اللبناني، الذي يضمن العلاقات الدولية المتوازنة، بقي مرجعاً. وهو انتصار لأن شعباً بأكمله شعر أن كرامته الوطنية لم تعد سائبة في مهب المصالح.
في لحظة يُحتكر فيها القرار الوطني من الخارج، فإن أي مساحة تُسترجع للسيادة، ولو على مستوى الشكل، تستحق الاحتفاء – لا سذاجة في هذا القول، بل هو وعيٌ بأن معارك السيادة تُخاض أحياناً على الورقة والقلم، لا فقط في ميادين الاشتباك.



